محمود محمود الغراب

64

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

واعلم أن الحب الطبيعي - من ذاته - إذا قام بالمحب ، أن لا يحب المحبوب إلا لما له فيه من النعيم به واللذة ، فيحبه لنفسه لا لعين المحبوب ، وهذه الحقيقة سارية في الحب الإلهي والروحاني ، وأما بدء الحب الطبيعي فما هو للإنعام والإحسان ، فإن الطبع لا يعرف ذلك جملة واحدة ، وإنما يحب الأشياء لذاته خاصة ، فيريد الاتصال بها والدنو منها ، وهو سار في كل حيوان ، وهو في الإنسان بما هو حيوان ، فيحبه الحيوان في نفس الأمر لقوام وجوده به لا لأمر آخر ، ولكن لا يعرف معنى قوام وجوده ، وإنما يجد داعية في نفسه للاتصال بموجود معين ، ذلك الاتصال هو محبوبه بالأصالة ، وذلك لا يكون إلا في موجود معين ، فيحب ذلك الموجود بحكم التبعية لا بالأصالة ، فاتصاله اتصال محسوس وقرب محسوس ، وهو قولنا « جثمانا بجثمان » فهذا هو غاية الحب الطبيعي ، فإن كان نكاحا عين محبوبه في موجود ما ، فغايته حصول ذلك المحبوب في الوجود ، فيطلب ويشتاق للمحل الذي يظهر فيه عين محبوبه ، ولا يظهر إلا بينهما لا في واحد منهما ، لأنها نسبة بين اثنين ، وكذلك إن كان عناقا أو تقبيلا أو مؤانسة أو ما كان ، ولا فرق بين أن نقول طبيعة الشيء أو حقيقته ، كل ذلك سائغ في العبارة عنه ، وهو في الإنسان أتم من غيره ، لأنه جامع حقائق العالم والصورة الإلهية ، فله نسبة إلى الجناب الأقدس ، فإنه عنه ظهر ، وعن قوله « كن » تكون ، وله نسبة إلى الأرواح بروحه ، وإلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته ، فهو يحب كل ما تطلبه العناصر والطبيعة بذاته ، وليس إلا عالم الأجسام والأجساد والأرواح ، ومنها أجسام عنصرية ، وكل جسم عنصري فهو طبيعي ، ومنها أجسام طبيعية غير عنصرية - فما كل جسم طبيعي عنصري - فالعناصر في الأجسام الطبيعية لا يقال فيها عنصرية ، وكذلك الأفلاك والأملاك ، فالمحبوب هو الاتصال بموجود ما من كثيرين أو قليلين ، ومع كونه مؤانسة ومجالسة وتقبيلا وعناقا وغير ذلك - بحسب ما تقتضيه حقيقة الموجود فيه - فهو عين المحبوب وبحسب حقيقة المحب ، فالمحبوب واحد العين متنوع ، وهو حب الاتصال خاصة ، إما بحديث أو ضم أو تقبيل ، هذا تنوعه في واحد أو كثيرين . ( ف ح 2 / 334 ) وأما القسم الثاني وهو الحب العنصري ، فهو وإن كان طبيعيا ، فبين القسمين فارق ، وذلك أن الطبيعي لا يتقيد بصورة طبيعية دون صورة طبيعية ، وهو مع كل صورة كما هو مع